أن تطال الاعتداءات بالعنف مبنى المجلس الانتقالي في بنغازي الليبية فهذا من أقصوى نتائج احتقان شعبي مسّ من أمن أعلي مؤسسة حكم في ليبيا ما بعد القذافي وممثلها الشرعي في المحفل الدولي. عدد كبير من المواطنين شباب في الأغلبية تجمعوا حول المطالبة بالمزيد من العناية بجرحى الثورة وايلاء اهتمام اكبر بعائلات الشهداء وتوفير لجان مختصة تبحث في شأن المفقودين. حركة احتجاجية تنتهي بتهشيم محتويات الطابق الأرضي من مبنى المجلس وتعتدي على سيارة المستشار عبد الجليل الذي خرج من هناك بشق الأنفس تحت حماية كتيبة من الثوار. تأتي هذه الاحتجاجات مدة قصيرة بعد أن استقال عبد الحفيظ غوقة نائب عبد الجليل. هذا الأخير الذي حذّر من الانزلاق في حرب أهلية تأتي على البقية المتبقية من دولة خرجت من المعركة مع القذافي منتصرة سياسيا مشلولة القوى الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والطبية بل ومهددة بالمزيد من التشتت بعد توالي الاستقالات من مؤسسة عبد الجليل وتململ داخلي من ضعف أدائها.
وإن تمكن عبد الجليل "صمام الأمان" في الوقت الحالي من تهدئة الأوضاع نوعا ما عبّر اتخاذ إجراءات عاجلة تهتم أساسا بجرحى الثورة والقانون الانتخابي، وهو ما قلّص من وتيرة الاحتجاج الشعبي، ودون أن ينفذ تهديدا سابقا بالاستقالة وهو مما أشاع شئ من الطمأنينة لدى الشارع الليبي المتمسك بالمستشار رغم تحفظه القليل عن الأداء. لذلك يمكن القول إن الأزمة مرت بسلام هذه المرة لكن يبقى الوضع خاصة الأمني هناك مرشح لتتوتر في أي لحظة وهذا طبيعي ومترقب في مسار الثورات حسب المختصين لكن في ليبيا الوضع خاص وربما لا تنطبق عليه هذه القاعدة بنسبة كبيرة وهذا لأن كميات السلاح لدى الشعب الليبي كافية" لتسليح 3 دول افريقية" في مجتمع قسمه القذافي إلى قبائل مما يخفض حظوظ تجميعه على طاولة حوار واحدة. حاول عبد الجليل منذ اللحظات الأولى بعد مقتل القذافي تفادي الانقسام عندما صرّح في خطاب التحرير أن الحكم في ليبيا سيتخذ من الشريعة الإسلامية أول ركيزة وعيا منه بأن وحدة الدين وتغلغله بقوة لدى الشعب الليبي قادرة على تفادي التشتت بشكل كبير أي اللعب على الوزاع الديني. وقال أيضا إن النظام الفيدالي سيقسم ليبيا لدى سؤاله في احد الندوات الصحفية عن نوع النظام الذي سيحكمها في المستقبل. فيما تبرز من هنا هناك تقارير دولية عن منظمات تعمل في مجال حقوق الإنسان تندد بالوضع الإنساني هناك وتؤكد تواصل التعذيب والقتل. وتواصل التعامل بلغة العنف المادي والمعنوي في الشارع الليبي مما يربك عمل السلطة من محكمة ومجلس انتقالي. ومما يزيد الطين بلة أيضا غياب تنظيم موحد للثوار يسند الأدوار لكل طرف بالشكل الذي يساعد على المضي في توفير أرضية اجتماعية ملائمة للعمل السياسي وهذا أيضا حسب الخبراء في مسار الثورات طبيعي في المرحلة الحالية طبيعي ولكن الاستثناء في الوضع الليبي هو أن مؤسسة الجيش والأمن ستبدأ العمل من نقطة صفر أي مرحلة البناء والتأسيس ثم التأهيل للمضي في العمل الفعلي وهذا يتطلب مدة زمنية مطولة نسيبة ويتطلب مساعدات خارجية من الناحية الأكاديمية وتدريبية يوفرها الحلف الاطلسي بطبيعة الحال وان لرفضها المجتمع والسياسي المدني فهي مفروضة على الحكومة الليبية والاستثناء الثاني هنا هو أن الليبيين سئموا مطالبة عبد الجليل لهم من حين إلى أخر بالمزيد من الصبر في حين تتعالى الأصوات من الداخل بأن الصبر نفذ. فماهو المشهد الذي ستأتي به الأيام القادمة؟
هنية جامعي
* سبق نشر المقال في جريد "الأولى" التونسية















لا تعليقات على هذا الموضوع