العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه ليست مهمة فقط في جوانبها المعرفيّة بل تتجاوزها لتشمل الجوانب التربويّة والنفسيّة التي تعتبر امتداداً للعوامل الأسريّة في التربية والتنشئة. إنّ أثر تلك العلاقة بالإيجاب والسلب يلازم الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة؛ لا يتخلص منها، تبدأ معه طفلاً وتلاحقه يافعاً ثم صبياً ثم شاباً ثم رجلاً ثم كهلاً ثم شيخاً كبيراً. من شبّ على شيء شاب عليه؛ وكثير من سوء السلوك عند الكبار مردّه إلى خلل تربوي في التنشئة الأولى، وأخطر مرحلة في تربية الإنسان وتعليمه تتمثل في علاقته الابتدائيّة مع المؤسسة التعليميّة وتجاربه المبكرة مع المعلمين.
إن الظاهرة الشائعة في العالم الثالث من عدم القدرة على قول "لا أعلم"، والخوف من الإقرار بتفوق الآخر، والتجرؤ على الخوض في جميع المواضيع، والإجابة على كل الأسئلة؛ هي مثال على فساد التربية وفشل التعليم. هذه الظاهرة للأسف متفشيّة حتى بين المهنيّين من أطباء وصيادلة ومهندسين وبنائين وقانونيين وغيرهم. وصل الأمر أحياناً أن تسأل رجل بسيط في الشارع عن كيفية الوصول إلى مكان أو عنوان معين لا يعلمه؛ فيتحرج من قول لا أعلم. هذه الظاهرة هي إحدى أسباب التخلف في العالم الثالث، وهي العلّة وراء إسناد الأمور إلى غير أهلها.
يعود ذلك إلى سببين رئيسين، الأول أن هؤلاء المهنيّين وغيرهم تعلموا في مدارس نشّأتهم على الخوف من العقاب إذا تبيّن عدم معرفتهم، فإذا أخفق تلميذ المرحلة الابتدائيّة في الإجابة عن حاصل ضرب عددين عاقبه معلمه (الفاضل) بالضرب المبرّح. في تلك المرحلة المبكرة تعلم الطفل أن لا يقول (لا أعلم) بشكل مباشر رغم يقينه بأنه لا يعرف الإجابة الصحيحة، وعوضاً عن ذلك إما أن يركن إلى التمتمة لإيهام المدرس أنه يحاول أن يتذكر شيئاً درسه، أو أن يخبط خبط عشواء فيقول أي رقم آملاً أن يكون صحيحاً. والسبب الثاني أن أطفالنا يكتشفون منذ نعومة أظفارهم أن الصدق لا يُنجي من العقاب، بينما قد يُنجيهم الكذب إن كان متقناً، وبهذا تساهم التربية في إثناء التلاميذ عن قول الحقيقة، وتعلّمهم أنهم معنيّون بالصدق فقط إذا خدم مصالحهم، وغير معنيّين به إن هددها أو أضرّ بها بأي شكل من الأشكال.
إذا أيقن إنسان أنه سيتعرض للعقاب كلما أقر بعدم المعرفة، فسيلتزم الحذر ويرفض الاعتراف بالجهل ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً. فالموظف يغامر بالتورط في إجراء خاطئ بدلاً من الاستفسار من رئيسه لئلاّ يكتشف رئيسه عدم إلمامه وما قد يترتب على ذلك من ضرر على تقييم أدائه أو مستقبله الوظيفي. والطبيب يصف للمريض دواءً لا يضر وقد ينفع عوضا عن إحالته إلى طبيب آخر يفوقه علماً وإختصاصاً كيلا يظن المريض به الظنون أو أن يفقد زبائنه إذا ما تفشّى بينهم هذا الخبر. والمهندس يفضل أن يخاطر بحياة السكان الذين قد ينهار المبنى فوق رؤوسهم على أن يكتشف صاحب العمل أنه استشار زميلاً صحح له أخطاءً فنيّة في الخارطة الإنشائيّة للمبنى.
ومن جهة أخرى لا يعتبر السواد الأعظم من مدرّسينا مثلاً جيّدا وقدوة حسنة في الإقرار بعدم العلم. فإذا وجه إليهم تلميذ سؤالاً يغمض عليهم تكون ردة فعل معظمهم نهره وزجره بحجة أن السؤال ليس من ضمن المنهج المقرر؛ ذلك بدلاً من طلب مهلة إلى أن يتمكنوا من الإطلاع على المَراجع أو أن اقتراح أن يقوم جميع تلاميذ الفصل بالبحث عن الإجابة لمناقشتها في اليوم التالي. أمّا أن يتجرأ تلميذ وينبه أستاذه إلى غلطة بدرت منه فذلك أمر لا يتقبلّه أبداً ولن يرضى به مطلقاً، وكيف يقبل به وهو ينظر إلى التلميذ نظرة دونيّة ويُخضعه للمقارنة المجحفة؟
أسلوب المقارنة المجحفة بين الأستاذ والتلميذ من الأمور السائدة في الأوساط الأكاديميّة الجامعية، فالجامعات مكتظة بمجموعة من الأساتذة الذين يحملون الشهادات العالية؛ بينما هم في واقع الأمر لا يُحسنون عملاً آخر سوى ذلك؛ وحتى ذلك قد لا يحسنونه! أدّى عدم احتكاكهم بالحياة الخارجيّة وبعدهم عن ميادين العمل الفعليّة وانعزالهم عن مناشط المجتمع الاعتيادية وتواجدهم المستمر بين تلاميذهم إلى جعلهم يفتقدون المعيار الحقيقي للتقويم، ويدأبون على مقارنة مهاراتهم وعلمهم ومعرفتهم في مجال اختصاصهم المحدود ضد مهارات وعلم ومعرفة تلاميذ في عمر أبنائهم أو أحفادهم!
يقرر لنا القرآن الكريم بأنه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ - الروم41)، فقد شمل ذلك بالضرورة المؤسسات التعليمية. إليكم هذا السيناريو: مسؤول كبير ابنه طالب في إحدى كليات الجامعة (المحترمة!)، ولأن "البذار يعرف إيش طالع من تحت ايده" كما يقول مثلنا الشعبي، فإن ذلك المسؤول يعلم في نفسه أن ابنه طالب فاشل تماماً بجميع المعايير، فهو غير مواظب على الدروس، ويجهل من المعارف المطلوبة للنجاح أكثر مما يعلم. وبينما يتوقع ذلك المسؤول أن ابنه راسب لا محالة لو خضع لامتحان منصف؛ يفاجأ أنه نجح في الامتحان النهائي وبتفوق (ولا أريد أن أدخل في تفاصيل "كيف"). يقينه بأن ابنه نجح ونال شهادة جامعية دون أن يكون أهلاً لذلك، سوف يجعله مرتاباً في كل من يحمل شهادة جامعية أو غير جامعية. سوف يستهين هو وأمثاله بكل المتعلمين وخريجي الجامعات؛ على اعتبار أنهم نتاج للفساد المستشري في المؤسسة التعليمية، مستندا على الدليل الدامغ المتمثل في نجاح (فلذة كبده) ونيله شهادة جامعية تثبت كفاءته وعلمه ومعرفته؛ وهو أكثر من يعلم بحقيقة ابنه المجرد من هذه المناقب.
أكاد أجزم بأن مظاهر التخلّف المتنوعة التي تسود في العالم الثالث ما هي إلاّ نتاج طبيعي لما تعاني منه المؤسسات التربوية والتعليميّة من ضعف وفساد يتدرّج من المدرسة إلى الجامعة وينعكس سلباً على الخريجين نظريّاً وعمليّاً وبالتالي على نظرة المجتمع إليهم وسائر المؤسسات التي يجتاحها أولئك الخريجون.
ونحن مقدمون على إعادة النظر في العملية التعليمية في ليبيا، علينا توخي الحذر في توظيف المعلمين؛ خاصة الوافدين من الدول العربية. ينبغي اختيار المدرسين، مواطنين أو وافدين؛ عن طريق امتحانات دقيقة ومقابلات شخصية للتأكد من مقدرتهم على تعليم أبنائنا، ولا يستثنى من ذلك أساتذة الجامعات مهما كانت الشهادات العليا التي يحملونها، فثمة من يجمع من الشهادات ما تنوء بحمله العصبة أولي القوة، بيد أن مَثلُهم كالذين حُملوا التوراة ثم لم يحملوها.















